محمد بن علي الشوكاني
369
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وبالجملة فالسيد المذكور - رحمه الله - قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري ، واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد ويخالفه في اعتقاده الذي صدرت عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات [ 43 ] ، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ، ولا الاشتغال به ، فالله - سبحانه - إنما ينظر إلى القلوب ، وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ ، وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق . وأما ما نقله السيد ( 1 ) المذكور - رحمه الله - عن ابن القيم في أول كلامه من تقسيم الكفر إلى عملي واعتقادي ، فهو كلام صحيح ، وعليه جمهور المحققين ، ولكن لا يقول ابن القيم ولا غيره أن الاعتقاد في الأموات على الصفة التي ذكرها هو من الكفر العملي . وسننقل هاهنا كلام ابن القيم في أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من الشرك الأكبر كما نقل عنه السيد - رحمه الله - في كلامه السابق ، ثم نتبع ذلك بالنقل عن بعض أهل العلم ، فإن السائل - كثر الله فوائده - قد طلب ذلك في سؤاله . [ أنواع الشرك ] فنقول : قال ابن القيم في شرح المنازل ( 2 ) في باب التوبة : وأما الشرك فهو نوعان : أكبر ، وأصغر : فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ، وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله . أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشائخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين ، وقد شاهدنا هذا - نحن وغيرنا - منهم جهرة ، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر ، وهو لا ينكر ذلك ، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله ، وشفيعه عنده . وهكذا كان عباد الأصنام ،
--> ( 1 ) محمد بن إسماعيل الأمير . ( 2 ) أي " مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين " ( 1 / 379 - 0 38 ) .